أبو نصر الفارابي
28
احصاء العلوم
فطرت على معرفتها واليقين بها مثل : أن الكل أعظم من جزئه ؛ وأن كل ثلاثة فهو عدد فرد . وأشياء أخر يمكن أن يغلط فيها ويعدل عن الحق إلى ما ليس بحق وهي التي شأنها أن تدرك بفكر وتأمل ، عن قياس واستدلال « 1 » . ففي ذلك دون تلك « 2 » يضطر الإنسان الذي يلتمس الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين المنطق . وهذه الصناعة تناسب صناعة النحو : وذلك أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ . فكل ما يعطيناه علم النحو من القوانين في الألفاظ ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات « 3 » . وتناسب أيضا علم العروض : فإن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة العروض إلى أوزان الشعر « 4 » . وكل ما يعطيناه علم العروض من القوانين في أوزان الشعر فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات .
--> ( 1 ) القياس أحد أنواع الاستدلال الثلاثة وهي : القياس أو الاستنتاج ، والاستقراء والتمثيل . ( 2 ) ففي ذلك دون تلك : يعني بتلك المعارف الأولية أو الضروريات ، ويعني بذلك المعارف التي يحصل عليها المرء بالاستدلال والتفكر والتأمل . ( 3 ) يريد أن يقول إن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة علم النحو إلى اللغة . ( 4 ) يريد القول إن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة علم العروض إلى أوزان الشعر . إنه أداة نعرف بها صحة المعاني العقلية وخطأها ، كما أن العروض أداة نعرف بها صحة أوزان الشعر أو اختلالها ، وكما أن النحو أداة نعرف بها صحة اللغة أو غلطها .